سيد قطب
2759
في ظلال القرآن
في حياتهم المحدودة . والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل ، تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه . والذي لا يتصل قلبه بضمير ذلك الوجود ؛ ولا يتصل حسه بالنواميس والسنن التي تصرفه ، يظل ينظر وكأنه لا يرى ؛ ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة ، ولكنه لا يدرك حكمته ، ولا يعيش بها ومعها . وأكثر الناس كذلك ، لأن الإيمان الحق هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود ؛ وهو الذي يمنح العلم روحه المدرك لأسرار الوجود . والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس . ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية . « وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » . . فالآخرة حلقة في سلسلة النشأة ، وصفحة من صفحات الوجود الكثيرة . والذين لا يدركون حكمة النشأة ، ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة ، ولا يقدرونها قدرها ، ولا يحسبون حسابها ، ولا يعرفون أنها نقطة في خط سير الوجود ، لا تتخلف مطلقا ولا تحيد . والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل ؛ وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم ؛ فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا ؛ ويظل علمهم بها ظاهرا سطحيا ناقصا ، لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض . فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون . ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود . والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة . ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة ، وقدر زهيد من النصيب الضخم ، وفصل صغير من الرواية الكبيرة ! ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها ، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها . لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة ، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ؛ ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون . فلكل منهما ميزان ، ولكل منهما زاوية للنظر ، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال . . هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا ؛ وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن ، ونواميس شاملة للظاهر والباطن ، والغيب والشهادة ، والدنيا والآخرة ، والموت والحياة ، والماضي والحاضر والمستقبل ، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء . . وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه ؛ ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان . الخليفة في الأرض . المستخلف بحكم ما في كيانه من روح اللّه . ولارتباط تحقق وعد اللّه بالنصر بالحق الأكبر الذي يقوم عليه هذا الوجود ، وارتباط أمر الآخرة كذلك بهذا الحق استطرد يجول بهم جولة أخرى في ضمير هذا الكون . في السماوات والأرض وما بينهما ؛ ويردهم إلى أنفسهم ينظرون في أعماقها ويتدبرون ، علهم يدركون ذلك الحق الكبير ، الذي يغفلون عنه حين يغفلون عن الآخرة ؛ ويغفلون عن الدعوة التي تقودهم إلى رؤية ذلك الحق وتدبره : « أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ » . فطبيعة تكوينهم هم أنفسهم ، وطبيعة هذا الكون كله من حولهم توحي بأن هذا الوجود قائم على الحق ، ثابت على الناموس ، لا يضطرب ، ولا تتفرق به السبل ، ولا تتخلف دورته ، ولا يصطدم بعضه ببعض ،